

الكاتب: الأخ إيليا
خادم ولاهوتي
إن كنت لا تعرف ما هي المسيحيَّة، وإن كنت تبحث عن إجابة سهلة وعميقة في نفس الوقت، فهذا المقال سيَفي بالغرض.
المسيحية هي ديانة أسّسها السيد المسيح، الذي ولد من مريم العذراء في القرن الأول للميلاد، والذي كان يجول يعلّم الناس ويصنع الخير للجميع مؤيداً رسالته بمعجزات كثيرة، وقد نُقلت إلينا تعاليمه عبر أتباعه الأوائل بنصوص مكتوبة تُعرف باسم “الإنجيل”. المسيح هو جوهر رسالة المسيحية، لذلك يؤمن المسيحيون بالسيد المسيح يسوع/عيسى، كخاتم جميع المرسلين وأهمهم على الإطلاق.
ابتدأ أتباع المسيح الأوائل ينادون بتعالميه خلال فترة وجوده على الأرض كما ورد في الإنجيل (إنجيل متى 5:10) لكي يخبروا الناس أن المسيح الموعود قد أتى ليتمم ما قد كُتب عنه في التوراة والزبور “المزامير” وكتب الأنبياء، لكن بعد صلب المسيح وقيامته من الأموات وصعوده للسماء تُمم عمل المسيح بالكامل وابتدأ الرسل حينها بما يسمى “الكرازة” أي التبشير برسالة الإنجيل وضم المؤمنين إلى الكنيسة.
رسالة الإنجيل هي أن المسيح صُلب من أجل خطايانا وقام في اليوم الثالث بعد الصلب غالباً بقيامته الموت لكي يعطينا رجاء القيامة في اليوم الأخير. دُعي أتباع المسيح في البداية “الطريق” (أعمال الرسل 2:9) لأنهم كانوا ينادون بيسوع الذي هو الطريق الوحيد للخلاص كما أعلن هو هن نفسه:
“قَالَ لَهُ عِيسَى: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ، أَنَا هُوَ الْحَقُّ، أَنَا هُوَ الْحَيَاةُ. لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْأَبِ إِلَّا بِوَاسِطَتِي.” (إنجيل يوحنا 6:14)
بعدها دُعي التلاميذ لاحقاً مسيحيين (أعمال الرسل 26:11) في أنطاكية لأنهم تشبهوا بالمسيح ونادوا به وعلّموا الآخرين بنفس ما علّمهم هو، كما أن بعض أخصام المسيحية من اليهود تلك الأيام اعتبروهم بدعة (أعمال الرسل 14:24) ظناً منهم أنهم مجموعة صغيرة قد تنتهي يوماً ما، لكن هذه المجموعة التي كانت فعلاً صغيرة انتشرت بشكل كبير وسريع دون أن يستخدموا السيف أو القتال من أجل نشر دينهم، وعلى الرغم من تعرضهم للاضطهاد من اليهود في البداية ومن الأباطرة الرومان لاحقاً، إلا أن المسيحية صمدت أمام كل محاولات الإبادة وصارت هي الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، مع العلم أنها بدأت عبر بعض الرجال العاديين.
أثاناسيوس أحد رجالات الكنيسة في القرن الرابع عبّر عن هذه الحقيقة بالقول: “لأن الحقيقة المدهشة واضحة للجميع، وهي أنه على الرغم من أن ما كتبوه هو كثيراً جداً، فشل اليونانيون (الوثنيون) في إقناع حتى عدد قليل من محيطهم فيما يتعلق بالخلود (استمرار الروح بعد الموت) واتباع الفضائل في الحياة. المسيح وحده، باستخدام الكلام العادي وبواسطة أُناس عاديين، أقنع جماعات كاملة من الناس في جميع أنحاء العالم بأن لا يبالوا بالموت، وأن يهتموا بالأشياء التي لا تموت، وينظروا إلى ما وراء الأشياء الوقتية وإلى كل ما هو أبدي، وأن لا يفكروا في المجد الأرضي…”¹
كيف بدأت رسالة المسيح؟
أول من نادى برسالة المسيح هو يحيى/يوحنا المعمدان (المغطّس) الذي كان ممهداً لمجيء المسيح، فمهمة يوحنا كانت أن يهيئ الناس لقبول المسيح، وقد علّم يوحنا تماماً كما علّم المسيح وهذه التعاليم لم تأت من لا شيء لكنها أتت وفق نبوءات سبقت مجيئهما. نقصد بالنبوءات الأمور التي قال عنها الأنبياء بأنها ستحصل في يوم من الأيام قبل حصولها وذلك ضمن وَحي إلهي ولقصد إلهي. وقد ورد في كتب الأنبياء كنبوءة عن يوحنا المعمدان:
“صَوْتُ وَاحِدٍ يَصْرُخُ فِي الصَّحْرَاءِ وَيَقُولُ: ”أَعِدُّوا طَرِيقَ رَبِّنَا، اِجْعَلُوا سُبُلَ إِلَهِنَا مُسْتَقِيمَةً. كُلُّ وَادٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَتَلٍّ يَنْخَفِضُ، وَالْأَرْضُ الْمُعْوَجَّةُ تَسْتَقِيمُ، وَالْوَعِرَةُ تَسْتَوِي. وَيَظْهَرُ جَلَالُ اللهِ، وَيَرَاهُ كُلُّ الْبَشَرِ مَعًا. اللهُ نَفْسُهُ تَكَلَّمَ.“” (إشعياء 3:40-5)
وقد بدأ إنجيل مرقس بالقول عن يوحنا المعمدان:
“هَذِهِ بِدَايَةُ الْبُشْرَى بِعِيسَى الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ. قَالَ اللهُ فِي كِتَابِ إِشَعْيَا النَّبِيِّ: ”أَنَا أَبْعَثُ رَسُولِي قُدَّامَكَ، لِكَيْ يُعِدَّ لَكَ الطَّرِيقَ، صَوْتُ وَاحِدٍ يَصْرُخُ فِي الصَّحْرَاءِ: ’أَعِدُّوا طَرِيقَ رَبِّنَا، اِجْعَلُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً.‘“ فَقَدْ جَاءَ يَحْيَى الْمُغَطِّسُ إِلَى الصَّحْرَاءِ، يَدْعُو النَّاسَ أَنْ يَتُوبُوا وَيَتَغَطَّسُوا فِي الْمَاءِ، لِيَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ.” (إنجيل مرقس 1:1-4)
وعد الله على لسان النبي إشعياء أن شخصاً سيأتي ويمهّد لمجيء المسيح الرب، ويخبرنا إنجيل مرقس أن هذا الممهد هو يوحنا وأن الرب هو المسيح. نفهم من ذلك أن مجيء المسيح الذي أسّس المسيحية لم يكن بمعزل عن توقعات البيئة التي نشأ فيها، فاليهود كانوا ينتظرون مسيحاً ليأتي وينقذهم وهذا ما فعله المسيح. لكنهم كانوا ينتظرون منقذاً أرضياً أي قائداً عسكرياً ينقذهم من السلطة الرومانية، لكن المسيح أعلن عن إنقاذ أسمى للبشرية جمعاء وليس لليهود فقط وهو الخلاص من القضاء الإلهي يوم القيامة “الدينونة”، وعن برَكة حياة الخلود “الحياة الأبدية” إذا ما آمنا بفداء المسيح الذي يغفر لنا خطايانا.
رسالة الإنجيل هي دعوة للمصالحة مع الخالق عبر عمل المسيح، رسالة تكلم القلوب وتخاطب أعمق احتياجات النفس البشرية المدمَّرة، يعبّر العالِم باللاهوت داريل بوك عن هذا بالقول: “أن تكون إنساناً يعني أن تدرك أننا كبشر نتوق إلى الأشياء التي لا يمكننا الحصول عليها بمفردنا، مهما كانت قوة ثقافة الاكتفاء الذاتي التي تعلّمناها. نحن نرغب في أن نكون متصلين بشيء خارج أنفسنا، ونتوق إلى معرفة سبب وجودنا من الأساس. هذه الاحتياجات والأشواق هي محور قصة الكتاب المقدس. يبدأ الإنجيل بوَعد يخاطب أعمق احتياجات الإنسان. عندما تنهدم العلاقات، تجلب رسالة الإنجيل المصالحة”²
رسالة الإنجيل هي دعوة للمُصالحة مع الخالِق عبر عمل المسيح
ماذا تعلم المسيحية؟
الكتب المقدسة التي سبقت المسيح تنبأت عن أيام سيفتقد فيها الله شعبه من جديد، بافتقاد أعظم من كل تعاملاته السابقة معهم، كما ورد في سفر إرميا:
“وَقَالَ اللهُ: ”سَيَأْتِي وَقْتٌ، أَعْمَلُ فِيهِ عَهْدًا جَدِيدًا مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَنِي يَهُوذَا. لَا كَالْعَهْدِ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ، لَمَّا أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ وَأَخْرَجْتُهُمْ مِنْ مِصْرَ، لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا عَهْدِي فَأَهْمَلْتُهُمْ. هَذَا كَلَامُ اللهِ. وَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْمَلُهُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، هَذَا كَلَامُ اللهِ، أَضَعُ شَرِيعَتِي فِي فِكْرِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا فِي قَلْبِهِمْ، وَأَكُونُ إِلَهَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ شَعْبِي. وَلَا يُعَلِّمُ أَحَدٌ جَارَهُ أَوْ أَخَاهُ وَيَقُولُ لَهُ: ’اِعْرِفِ اللهَ.‘ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ. وَأَغْفِرُ لَهُمْ شَرَّهُمْ، وَلَا أَذْكُرُ ذَنْبَهُمْ فِيمَا بَعْدُ. هَذَا وَعْدُ اللهِ.“” (إرميا 31:31-34)
وهذا الخلاص هو وفق عمل الخادم المتألم المذكور في إشعياء:
“لَكِنَّهُ حَمَلَ أَمْرَاضَنَا وَرَفَعَ أَحْزَانَنَا. وَنَحْنُ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ اللهَ ضَرَبَهُ وَأَذَلَّهُ عِقَابًا لَهُ. لَكِنَّهُ جُرِحَ بِسَبَبِ مَعَاصِينَا، سُحِقَ بِسَبَبِ ذُنُوبِنَا، نَزَلَ عَلَيْهِ التَّأْدِيبُ لِنَحْصُلَ نَحْنُ عَلَى السَّلَامِ، وَبِجُرُوحِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا ضَلَلْنَا كَغَنَمٍ، اِنْحَرَفْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَاللهُ وَضَعَ عَلَيْهِ ذَنْبَنَا كُلِّنَا.” (إشعياء 4:53-6)
المسيحية هي تتميم لكل ما سبقها “العهد القديم”، أي أن التعاليم التي سبق وأعطاها الله وصلت إلى ذروتها في الإعلان عن المعنى الحقيقي، فكل ما يسمى بالشريعة الطقسية التي كانت جزءاً أساسياً من العبادة اليهودية والتي كانت تتضمن وضوءاً وأضاحي من الكباش، قد وصلت إلى هدفها الحقيقي وهو تحضير الشعب لمجيء المسيح الذي صنع تطهيراً أسمى، تطهيراً روحياً وإنقاذاً للشعب من القضاء الإلهي ليعطيهم حياة الخلود في اليوم الأخير يوم القيامة، اليوم الذي سيأتي فيه المسيح حكَماً مقسطاً ليدين الأحياء والأموات.
واحدة من أسماء الله التي تدل على صفة متأصلة فيه هي أنه “القدوس”، أي الذي لا يدنوه شيء نجس، أما نحن كبشر فلسنا كذلك، لأن كل أعمالنا الصالحة لا تستطيع أن تستر عورة الذنوب التي نحملها والتي لا نزال نقترفها، ولا شيء سوى كفارة المسيح “الحمَل الحقيقي” تُقربنا إلى الله. كفارة تعني الستر والغطاء، ولا ستر لنا أمام القدوس سوى دماء المسيح الذي هو حمَل الله كما قال عنه يوحنا المعمدان:
“… هَذَا هُوَ حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ الْخَطِيئَةَ عَنِ النَّاسِ.” (إنجيل يوحنا 29:1)
أن تكون مسيحياً يعني أن تكون خطاياك قد غُفرت بدم المسيح، فجوهر الإيمان المسيحي هو عطية الله العظيمة هذه. لكن هذا لا يعني أن نذنب ونخطئ كما نشاء كون ذنوبنا قد غُفرت، بل الإيمان الحقيقي بالمسيح يُحدث تغييراً جذرياً في حياة الإنسان ويجعله يسعى وراء عمل الصلاح وتطبيق وصايا الله، وبذلك تصبح الخطيئة “الذنب” زلة وليست أسلوب حياة لدى المؤمن، لأن مسيرة الإيمان تبدأ بالنمو شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح المؤمن مشابهاً للمسيح أكثر فأكثر، وهذا ما نسميه “النمو في المسيح”.
“لِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُّوسُ: اِسْمَعُوا صَوْتَهُ الْيَوْمَ، وَلَا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ …” (الرسالة إلى العبرانيين 7:3-8)
1. ماذا تحتاج لكي تطيع ما تعلمته؟
2. كيف يمكنك مشاركة ما تعلمته هنا بطريقة حكيمة مع عائلتك وأصدقائك؟
- On the Incarnation. Athanasius of Alexandria.
- Recovering the Real Lost Gospel: Reclaiming the Gospel as Good News. Darrell L. Bock.
الأسئلة الشائعة
- من هم المسيحيون؟
المسيحيون هم من يؤمنون بالسيد المسيح يسوع/عيسى، كمتمم لوعود الله والمعلن عن الرسالة الإلهية الأسمى. - كيف بدأت المسيحية؟
وعد الله على لسان النبي إشعياء أن شخصاً سيأتي ويمهّد لمجيء المسيح الرب، ويخبرنا إنجيل مرقس أن هذا الممهّد هو يوحنا وأن الرب هو المسيح. نفهم من ذلك أن مجيء المسيح الذي أسّس المسيحية لم يكن بمعزل عن توقعات البيئة التي نشأ فيها، فاليهود كانوا ينتظرون مسيحاً ليأتي وينقذهم وهذا ما فعله المسيح. - ماذا تعلم المسيحية؟
تعلّم المسيحية عن مخطط الله العظيم لفداء البشرية جمعاء عبر عمل المسيح على الصليب.

هل تبحثون عن الحقيقة؟
لا تتوقفوا، استمرّوا في الرحلة


