

الكاتب: الأخ إيليا
خادم ولاهوتي
سوف نوضّح في النص التالي سبب اعتمادنا للأربعة أناجيل الموجودة في الكتاب المقدس دوناً عن أناجيل أخرى.
لا شك أن هناك نصوصاً كثيرة كُتبت ونُشرت تحت اسم “إنجيل”، فلماذا نستخدم فقط أناجيل “متّى، مرقس، لوقا، ويوحنّا”؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التوقف عند تاريخ الكنيسة وطبيعة هذه الأناجيل. إليكم ست نقاط مهمّة توضّح الموضوع بشكل سلس وبسيط:
1. الشهادة الرسولية والأصالة التاريخية
الشرط الأول والأساسي في قبول أي كتاب ضمن الأسفار القانونية هو علاقته المباشرة بالرسل أو شهود العيان. هذه الأناجيل الأربعة وحدها التي حملت هذا الطابع:
متّى كان من التلاميذ الاثني عشر، وكتب لتوضيح كيف أن يسوع هو تحقيق للنبوءات اليهودية.
مرقس لم يكن من الاثني عشر لكنه كان رفيق بطرس، ويُنظر إلى إنجيله على أنه صدى مباشر لشهادة بطرس الرسول.
لوقا الطبيب رافق بولس الرسول، واعتمد على التحقيق التاريخي الدقيق ومقابلة شهود العيان.
يوحنّا هو التلميذ الحبيب، من الدائرة الأقرب إلى يسوع، وشهادته شخصية ولاهوتية في آن واحد.
هذه الصلة المباشرة بالرسل ميّزت الأناجيل الأربعة عن بقية “الأناجيل المنحولة” التي ظهرت لاحقاً، والتي نُسبت لتوما وبطرس وغيرهما، والتي دُوّنت في النصف الثاني من القرن الثاني أو بعده، أي بعيداً عن الحدث الرسولي الأصلي، بعكس الأناجيل الأربعة التي دُوّنت في نفس القرن.
2. القبول الكنسي العام
لم تُفرض الأناجيل الأربعة بقرار مركزي، بل وُجدت مقبولة في جميع الكنائس المنتشرة عبر الإمبراطورية الرومانية: في روما، وأنطاكية، والإسكندرية، وآسيا الصغرى. هذا التوافق الواسع يُظهر أن الكنيسة الأولى لم تختر الأناجيل بشكل اعتباطي، بل لاحظت فيها صوتاً أصيلاً للرسل وشهادة منسجمة مع الإيمان المُعاش في العبادة والتعليم.
أما الأناجيل المنحولة فلم تعرف هذا القبول العام، بل استُخدمت غالباً في دوائر غنّوصية ضيقة، حيث كانت تُقرأ لأغراض لاهوتية خاصة تتعارض مع الإيمان الرسولي.
3. التوازن اللاهوتي والشهادة المتكاملة
من يقرأ الأناجيل الأربعة يلاحظ تنوّعاً في الأسلوب والتركيز، لكن مع وحدة جوهرية حول شخص يسوع المسيح:
متّى يُبرز يسوع كمُعلّم ومُتمّم للشريعة.
مرقس يصوّره كاِبن الله العامل بقوة وسط صراع روحي.
لوقا يُظهر وجه الرحمة والخلاص الشامل للأمم والمهمّشين.
يوحنّا يرفع القارئ إلى أفق لاهوتي عميق، مُظهراً المسيح كالكلمة الأزلي.
هذا التنوع يمنع أي اختزال لصورة المسيح. وقد أدرك آباء الكنيسة أن حصر الإنجيل في رواية واحدة سيؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة. لذلك أصرّ إيريناوس (أحد الأساقفة في القرن الثاني) على أن الأناجيل الأربعة تشبه الجهات الأربع للعالم أو الكائنات الحية الأربعة في سفر الرؤيا، أي أنها شهادة متكاملة لا يُستغنى عن أي جزء منها.
4. الانسجام مع العهد القديم
لم تأتِ الأناجيل الأربعة من فراغ، بل قدّمت يسوع بصفته تتمّة قصة إسرائيل. نصوصها مفعمة بالاقتباسات من الشريعة والأنبياء والمزامير، مما جعلها امتداداً طبيعياً للكتاب المقدس الذي كانت تعرفه الكنيسة الأولى.
أما الأناجيل المنحولة، فغالباً ما افتقدت هذا العمق الكتابي. فهي تركّز على أقوال غامضة أو قصص طفولة خيالية للمسيح، دون أن تربط الحدث الخلاصي بتاريخ العهد القديم.
5. البعد الروحي
منذ البداية، كانت الأناجيل الأربعة تُقرأ في الليتورجيا المسيحية. أي أنها لم تكن نصوصاً نظرية بل غذاءً روحياً للجماعة المؤمنة. وقد اختُبرت عبر القرون في الصلاة والعبادة، وهو ما منحها سلطة عملية في حياة الكنيسة.
أما النصوص الأخرى، فلم تدخل في قلب العبادة المسيحية، بل بقيت على هامشها.
6. معيار الحق الرسولي
الأناجيل الأربعة انسجمت مع “قاعدة الإيمان” التي تسلّمتها الكنيسة من الرسل. فهي تُعلن عن المسيح المتجسد، المصلوب، القائم من بين الأموات، ابن الله الحق. بينما كثير من الأناجيل الأخرى حرّفت هذه الصورة، فجعلت يسوع مجرد كائن روحي ينقل معرفة باطنية، أو أنكرت حقيقته الجسدية. لذلك استُبعدت لأنها ناقضت جوهر الإنجيل.
الخاتمة
إذاً لم يكن اعتماد الأناجيل الأربعة قراراً إدارياً متأخراً، بل ثمرة عملية فرز حيّة عاشتها الكنيسة الأولى. هذه الأناجيل وحدها جمعت بين الأصالة الرسولية، والقبول الكنسي العام، والانسجام مع الكتاب المقدس، والتوازن اللاهوتي، والاستعمال في العبادة. وبذلك حفظت الكنيسة شهادة أمينة عن يسوع المسيح، كلمة الله المتجسد، في أربعة أصوات متكاملة تُعلن إنجيلاً واحداً.
1. ماذا تحتاج لكي تطيع ما تعلمته؟
2. كيف يمكنك مشاركة ما تعلمته هنا بطريقة حكيمة مع عائلتك وأصدقائك؟
الأسئلة الشائعة
- لماذا نستخدم اليوم أربعة أناجيل؟
الشرط الأول والأساسي في قبول أي كتاب ضمن الأسفار القانونية هو علاقته المباشرة بالرسل أو شهود العيان. الأناجيل الأربعة “متّى، مرقس، لوقا، ويوحنّا” وحدها التي حملت هذا الطابع. - هل كان هناك إجماع على الأناجيل الأربعة؟
لم تُفرض الأناجيل الأربعة بقرار مركزي، بل وُجدت مقبولة في جميع الكنائس المنتشرة عبر الإمبراطورية الرومانية: في روما، وأنطاكية، والإسكندرية، وآسيا الصغرى. هذا التوافق الواسع يُظهر أن الكنيسة الأولى لم تختر الأناجيل بشكل اعتباطي، بل لاحظت فيها صوتاً أصيلاً للرسل وشهادة منسجمة مع الإيمان المُعاش في العبادة والتعليم. - لماذا يوجد في الكتاب المقدس أربعة أناجيل؟
إنجيل متّى يُبرز يسوع كمُعلّم ومُتمّم للشريعة. إنجيل مرقس يصوّره كاِبن الله العامل بقوة وسط صراع روحي. إنجيل لوقا يُظهر وجه الرحمة والخلاص الشامل للأمم والمهمّشين. وإنجيل يوحنّا يرفع القارئ إلى أفق لاهوتي عميق، مُظهراً المسيح كالكلمة الأزلي. هذا التنوع يمنع أي اختزال لصورة المسيح. وقد أدرك آباء الكنيسة أن حصر الإنجيل في رواية واحدة سيؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة.

هل تبحثون عن الحقيقة؟
لا تتوقفوا، استمرّوا في الرحلة


