

الكاتب: الأخ مبارك
خادم ولاهوتي
في هذا المقال، سنخوض معاً رحلة لاستكشاف العوامل التي أدت إلى تأخر تدوين نصوص العهد الجديد، لنزيح الستار عن الصورة الكاملة، ونفهم لماذا لم يُكتب “الإنجيل” فوراً على شكل كتاب بين أيدينا.
هل تساءلت يوماً: لماذا تأخر تدوين أسفار العهد الجديد – وخاصة الأناجيل التي تحكي سيرة وأعمال السيد المسيح – كل هذه المدة؟ لماذا لم تُكتب هذه السيرة والتعاليم “فوراً” بعد وقوعها؟ لماذا هذه الفجوة الزمنية التي تمتد لعقود؟ نحن أمام سؤال مشروع يثير فضول الكثيرين، خاصةً الباحثين عن فهم تاريخي للمصادر الدينية. هل يعني هذا التأخير أن الروايات قد تغيرت بمرور الوقت؟ أم أن هناك سياقات وأسباب منطقية تفسر هذا التأخير الظاهري؟
الأسباب والدوافع
يُعد العهد الجديد جزءاً أساسياً من الكتاب المقدس للمسيحيين، لأنه ليس فقط يحكي سيرة وأقوال وتعاليم المسيح بل هو دستور الحياة المسيحية لكل مؤمن وللكنيسة. لكن عندما تبحث بكل دقة في تواريخ تدوين كل سفر من الأسفار وخاصة البشائر الأربعة (الأناجيل) تجد فجوة زمنية بينها وبين تاريخ التدوين.
فعلى سبيل المثال: يُقدِّر معظم الباحثين أن يسوع المسيح عاش خدمته وصُلِب ومات وقام في الفترة ما بين حوالي 30 إلى 33 م، في حين أن الإنجيل بحسب البشير مرقس (الذي يُعد أقدم الأناجيل التي دُوِّنت) يُرجَّح أنه كُتب حوالي عام 70 م أي أن هناك فجوة زمنية تُقدَّر بحوالي 37 إلى 40 عاماً من موت السيد المسيح، أمَّا أحدثها (الإنجيل بحسب البشير يوحنا) فكُتب بعد ما يقرب من ستة إلى ثمانية عقود.
الحقيقة لم تكن هذه الفجوة – من وجهة نظر الباحثين – محض صدفة، بل لها أسبابها المنطقية بل والإلهية أيضاً. وفيما يلي سنعرض هذه الأسباب بإيجاز في ست نقاط هامة:
1. الثقافة الشفهية السائدة (التقليد الشفهي)
في العالم القديم، لم يكن الاعتماد على الكتابة بنفس القدر الذي نعهده اليوم. كان “التقليد الشفهي” هو الوسيلة الأساسية لنقل المعرفة والتاريخ والتعاليم. كان الناس مُدرَّبين على الحفظ والاستذكار، وكانت الروايات تُنقل بدقة عبر التكرار والشهادة المباشرة. وهذا ما كان سائداً في المجتمع اليهودي وتأثَّر به المسيحيون الأوائل، فكانوا ينقلون تعاليم وأقوال المسيح للآخرين ويشهدون له بصدق وأمانة.¹
“نَكْتُبُ إِلَيْكُمْ عَمَّا كَانَ مِنَ الْبَدَايَةِ… عَمَّا سَمِعْنَاهُ، وَرَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، وَشَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسْنَاهُ بِأَيْدِينَا… وَبَعْدَمَا رَأَيْنَاهَا فِعْلاً، نَشْهَدُ لَهَا الآنَ… نُخْبِرُكُمْ بِمَا رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ،” (يوحنا الأولى 1:1-4)
كان “التقليد الشفهي” هو الوسيلة الأساسية لنقل المعرفة والتاريخ والتعاليم
2. الظروف والوضع السياسي
(مخاطر التدوين): عاشت الكنيسة الأولى في ظل اضطهادات شديدة من السلطات اليهودية والرومانية، وهذا جعل من التدوين أمراً محفوفاً بالمخاطر لأنه قد يُستخدَم كدليل ضدهم.
3. انشغال الرسل وتلاميذ السيد المسيح بتنفيذ المأمورية العظمى
(الكرازة وتوصيل الخبر السار)، لقد انهمك الرسل في الكرازة وأولوها كل جهدهم ووقتهم:
“فَاذْهَبُوا إِذَنْ، وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ؛” (إنجيل متَّى 19:28).
فهذا التحرُّك والذهاب هنا وهناك لتوصيل وإذاعة الخبر السار أخذ كلَّ وقتهم.
4. انتشار الكنيسة واتساع رقعتها (الحاجة للتدوين)
مع مرور الوقت اتَّسعت الكنيسة جُغرافياً خارج اليهودية وأماكن بعيدة عن شهود العيان والرسل، فأصبح من الضروري وجود نصوص مكتوبة تُعبِّر عن حياة وأقوال وتعاليم المسيح لضمان نقلها بكل أمانة للأماكن البعيدة. وهكذا بدأ روح الله القدوس في كتابة النصوص باستخدام أواني الوحي من الرسل والتلاميذ لتوثيق التعاليم الصحيحة لتصل للعالم أجمع.
5. التدرج الإلهي في الإعلان والتدوين (حكمة الله منذ الأزل)
الله في تعامله مع الإنسان نجده يتدرج في إعلان الحقائق بحسب قدرة البشر على الفهم والاستيعاب، ولنا في العهد القديم مثال واضح؛ فالله لم يُعلن كل شيء دفعة واحدة، بل تدرَّج عبر الأنبياء والناموس والرموز، إلخ. وهكذا في العهد الجديد بدأ بإعلان الكلمة المتجسد (المسيح)، ثم الانتشار الشفهي (شهود العيان)، ثم جاءت مرحلة التدوين المكتوب بالوحي الإلهي.²
6. التنوع في الجمهور والاحتياجات المختلفة لكل كنيسة
كما أشرت فيما سبق في اتِّساع رقعة الكنيسة وانتشارها جُغرفياً ومعها التنوُّع في الجمهور: يهود وأُمميِّن من خلفيات يونانية ورومانية وكل فئة تحتاج أن تُقدَّم لها رسالة الإنجيل بطريقة تُناسب خلفيَّتها، فعلى سبيل المثال: القديس متَّى الرسول كتب إنجيله لليهود فأكَّد على النبوءات، القديس مَرقُس كتب للرومان فركَّز على الأفعال والقوة، القديس لوقا كتب للأُمم فنجد أنه اهتمَّ بالمنطق والترتيب، القديس يوحنا كتب في وقت متأخر ليرد على البدع التي بدأت تنتشر وأكَّد على لاهوت المسيح.
الخاتمة
إذاً لا يمكننا أن نعتبر السؤال الذي بدأ به المقال سؤالاً صحيحاً، بمعنى أن تأخير التدوين لا يُعتبر تأخيراً بالمعنى السلبي بل هو جزءاً من خطة إلهية دقيقة. فالله أعدَّ المشهد جيداً، بدايةً من انتشار الكلمة عن طريق شهود العيان واتِّساع رقعة الكنيسة جُغرافياً وإعداد أواني الوحي، إلى أن جاء وقت التدوين بالروح القدس ليحفظ كلمة الله كي تصل لنا كما أرادها الله تماماً دون أي تحريف، لأن الله بنفسه هو الذي هيمَن وأشرف على ذلك.
والسؤال لك عزيزي القارئ: هل قرأت أنت كلمة الله وفحصتها؟ أم تأخرت في هذه الخطوة الهامة؟ أشجعك أن تبدأ الآن، وإن أردت أن نساعدك فلا تتردد في التواصل معنا.
1. ماذا تحتاج لكي تطيع ما تعلمته؟
2. كيف يمكنك مشاركة ما تعلمته هنا بطريقة حكيمة مع عائلتك وأصدقائك؟
- أنفاس الله، جوش ماكدويل، هيئة الخدمة الروحية للنشر، 2024.
- مدارس النقد والتشكيك والرد عليها، حلمي القمص، 2002.
الأسئلة الشائعة
- كيف أثر التقليد الشفهي على تأخر كتابة الأناجيل؟
كان المجتمع القديم يعتمد على الحفظ والنقل الشفهي بدقة، مما قلَّل الحاجة للكتابة الفورية. كما أن التلاميذ نقلوا أقوال المسيح وأحداث حياته شفهياً بثقة كافية لضمان حفظها دون تحريف. - ما علاقة الاضطهادات السياسية بتأخر تدوين العهد الجديد؟
تعرض المسيحيون الأوائل لاضطهادات من السلطات اليهودية والرومانية، مما جعل الكتابة محفوفة بالمخاطر، حيث كان يمكن استخدام النصوص المكتوبة كأدلة لإدانة أفراد الكنيسة.

هل تبحثون عن الحقيقة؟
لا تتوقفوا، استمرّوا في الرحلة


